المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية


فــــوجي
15-Jun-2008, 12:35 AM
أشار مشروع التقرير السياسي المقدم للمؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوداني الي أن (سياسة التحرير الاقتصادي ونهج التبعية قاد لتدهور أوضاع الرأسمالية الوطنية المنتجة، وحلت محلها فئات جديدة من الرأسمالية الطفيلية الاسلامية والكمبرادورية(الرأسمالية التابعة)، ولكن الرأسمالية الوطنية المنتجة لم تختف من مسرح الاحداث كقوى اجتماعية لها دعاماتها القاعدية بين اثرياء ومتوسطي المزارعين وفي الصناعة والتجارة والخدمات. ومن ناحية اخري، فان الاصلاح الاقتصادي وترميم وعلاج التدهور في الاقتصاد سيساعد في استعادة مواقعها وتحفيزها لاستثمار اموالها في التنمية).
يواصل مشروع التقرير ويقول( صحيح ايضا ان مواقع الرأسمالية المرتبطة بالاستعمار قد تنامت باثر الدفع الرأسمالي في البلاد، ولكن تشابك المصالح الاقتصادية تحت مظلة العولمة لايعبر في اطلاقه عن ارتباطات عمالةوتبعية. كما أن للرأسمالية الوطنية في ضوء البرنامج الوطني الديمقراطي اسهاما في الانتاج حسب خطة التنمية مع مراعاة الضوابط الاقتصادية والقانونية).
ولما كانت قضية الرأسمالية السودانية من القضايا المهمة في الثورة الوطنية الديمقراطية ، فقد كان من المتوقع أن يتوقف عندها مشروع التقرير السياسي لمعالجة المتغيرات فيها انطلاقا مما توصلت اليه وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية. ولذلك لابد من استكمال ما ورد في مشروع التقرير السياسي بتسليط الضوء علي المتغيرات فيها وحصاد التنمية الرأسمالية التي سارت عليها البلاد والمتغيرات في مصادر التراكم، وذلك انطلاقا من الدراسة الباطنية لتطورها في هذه الفترة ، اضافة الي تسليط الضوء علي الجانب الفكري، انطلاقا من الواقع، علي امكانات وقدرات الرأسمالية الوطنية المنتجة وحدود نشاطها في خطة التنمية للبرنامج الوطني الديمقراطي.
وكانت وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية(التقرير السياسي المجاز في المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني ، اكتوبر 1967) قد عرّفت الرأسمالية الوطنية بانها تلك التي لاتعمل وكيلة لرأس المال الاجنبي، وأشارت الوثيقة الي أن(الرأسمالية الوطنية ضعيفة التكوين في بلادنا وحتي اليوم لاتجد التعبير السياسي في حزب واحد ، فبحكم أن الاحزاب التقليدية القائمة في بلادنا ترتبط بعلاقات طائفية وقبلية ، فان هذه الطبقة موجودة باقدار متفاوتة بين هذه الاحزاب وتحاول أن تعمل لصالحها في اطار تلك التنظيمات).
تواصل وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية وتقول(لقد كان لتزايد حدة الصراع الاجتماعي اثره بالنسبة لاقسام من الرأسمالية وخاصة بعد اكتوبر اذ انها جنحت اكثر نحو التهادن مع الاستعمار ومع القوى والعناصر الرجعية في البلاد).
ورغم ذلك اشارت الوثيقة(ان هذا لايعني أن مصالح الرأسمالية الوطنية موضوعيا اصبحت خارج نطاق الثورة الوطنية الديمقراطية، بل أن هذه الطبقة واقسامها ذات الارتباطات الشعبية والاكثر صلابة في وجه التغول الاستعماري ستكشف قياداتها الحقيقية ، وستكشف ان مصالحها تكمن حقا في الاستكمال الناجز للثورة الوطنية الديمقراطية)( الماركسية وقضايا الثورة السودانية، طبعة دار عزة 2008، ص، 99).
وكانت وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية قد اشارت للتحولات التي جرت بين قوى الرأسمالية في السودان، فقد كانت حتى عام 1956 تقتصر في اشكالها الرئيسية على رأس المال التجاري العامل في التجارة المحلية ولكن بالدفع الرأسمالي تداخلت هذه الفئة مع اقسام اخرى من القطاع الزراعي من بيروقراطية الدولة، ومن عناصر شبه اقطاعية الخ. كما أشارت الوثيقة الي أن الرأسمالية المحلية تختلط بينها قوى طبقية ومصالح اخرى ايضا، وهذا الاختلاط بين القطاع الذي لايرتبط مباشرة مع رأس المال الاجنبي يجعله ميالا للمصالحة السياسية مع قوى التخلف في البلاد( ص، 98- 99).
كما أشارت الوثيقة الي نتائج التطور الرأسمالي الذي سارت عليه البلاد في الفترة(1956- 1967)، كما أشارت الي مصادر التراكم الرأسمالي المحلي الذي شكل الاساس الثابت لهذه الدفعات الرأسمالية في الاقتصاد الوطني السوداني في تلك الفترة.
ولخصت الوثيقة مصادر التراكم الرأسمالي في : الزراعة الآلية، المشاريع الخاصة للقطن ، المشاريع الخاصة في المديرية الشمالية.
وخلصت الوثيقة الي أن طريق النمو الرأسمالي طريق مسدود: اذ أنه فتح الطريق لتوغل الاستعمار الحديث ، كما ادى الي تزايد للاستغلال وانسياب أجزاء من الدخل القومي لمراكز الاستغلال في الخارج والي هبوط الدخل القومي للفرد، كما ابقي البلاد سوقا للسلع الصناعية ومنتجة للسلع الاولية، اضافة الي الهبوط المستمر في التنمية وانخفاض مداخيل الجماهير الكادحة. كما برز ضعف الرأسمالية المحلية وفشلها في الاسهام في التنمية رغم التسهيلات التي قدمت لها، كما يوضح الدور الكبير الذي لعبه القطاع العام مقارنة بالرأسمالية المحلية.وطرحت الوثيقة البديل الذي يتمثل في برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية.
وبالتالي من المهم متابعة المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية ونتائج طريق التطور الرأسمالي ومصادر التراكم الرأسمالي في الفترة(1967- 2007) بهدف امتلاك الوضوح النظري الذي يغتني بالممارسة والذي يساعد الحزب الشيوعي السوداني في دفع الثورة الوطنية الديمقراطية بخطوات ثابتة الي الامام..
أولا: حصاد التنمية الرأسمالية الفترة(1967- 2007).
شهدت هذه الفترة: فترة مايو(1969- 1985)، وفترة الديمقراطية الثالثة(1985- 1989)، وفترة الانقاذ( 1989- 2007).
في هذه الفترات سارت البلاد علي طريق التطور الرأسمالي والذي كان حصاده يتلخص في الآتي:-
انهيار البنيات الأساسية والمشاريع التي خلفها الاستعمار مثل مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والنقل النهري والخطوط الجوية السودانية والخدمة المدنية التي كانت تتميز بدرجة عالية من الكفاءة والانضباط..الخ.
انهيار القطاع الزراعي وعجز غذائي ومجاعات ونزوح لامثيل له منذ فترة المهدية من الارياف الي المدن بسبب انهيار الخدمات والحروب الاهلية والضرائب الباهظة علي المزارعين والرعاة وخاصة في فترة الانقاذ.
توسع وتعمق الحرب الاهلية بسبب التنمية غير المتوازنة وانتقلت الحرب من الجنوب لتشمل دارفور ومناطق الشرق وجنوب النيل الازرق وجبال النوبا حتى تم توقيع اتفاقية نيفاشا وبقية الاتفاقات والتي يجب تنفيذ استحقاقاتها التي تتمثل في التحول الديمقراطي والتنمية وتحسين احوال الناس المعيشية، ومازالت الحرب مستمرة في دارفور وتنتظر الحل الشامل.
ازدياد التبعية للعالم الخارجي حيث بلغت ديون السودان الخارجية 28 مليار دولار.
انهيار خدمات التعليم والصحة(بعد رفع الدولة يدها ) والانتاج الصناعي والزراعي.
عدم تحقيق الاهداف المباشرة المنشودة من التنمية الرأسمالية التي قادتها الانظمة العسكرية والمدنية في هذه الفترة، اضافة للاثار السلبية لتضخيم دور الاستثمار في التنمية، اضافة لعدم الثقة بالنفس وتزايد الاعتماد على الغير والهبات والمعونات.
علي أن الوضع تدهور بشكل مريع منذ انقلاب 25/مايو/1969 عندما تم تحجيم الرأسمالية الوطنية المنتجة التي بدأت تلج ميدان الانتاج الصناعي والزراعي بالتاميمات والمصادرة العشوائية ، ومنذ العام 1978 وبعد التخفيضات المتوالية للجنية السوداني انهار الانتاج الصناعي والزراعي وتزايد النشاط الطفيلي(تجارة عملة، تخزين، عمولات،.الخ) الذي دمر الاقتصاد السوداني بتهريب الفائض الاقتصادي للخارج.
وبعد انقلاب 30/يونيو/1989 ، تفاقم التدهور الاقتصادي بعد سياسات الخصخصة التي اعتمدتها الحكومة ورفع الدعم عن السلع الاساسية والتعليم وارهاق كاهل المواطنين بالضرائب الباهظة، وتم افقار المواطنين حتى اصبحت نسبة الفقر 94% حسب الاحصاءات الرسمية. اصبحت الرأسمالية الطفيلية الاسلامية هي السائدة والتي تراكمت ثرواتها من نهب القطاع العام والمال العام(الفساد)، وتم تجميد اموال ضخمة في بناء العقارات وتعطل فائض اقتصادي كبير كان يمكن توجيهه في التنمية الزراعية والصناعية. وحتى بعد استخراج البترول والذهب ، كان من الممكن أن ينعكس ذلك ايجابيا علي حياة المواطنين اليومية وعلي تطور الانتاج الزراعي والصناعي ولكن ذلك لم يتم، واصبحت عائدات البترول مصدرا اضافيا لتراكم ثروات الرأسمالية الطفيلية الاسلامية.
الشاهد أن التنمية الرأسمالية التي قادتها الفئة الرأسمالية الطفيلية المايوية والاسلامية، وكرأسمالية تابعة لرأس المال الاجنبي، تمت بالقهر والعنف والتفريط في السيادة الوطنية، فنظام مايو بني اجهزة امن وقهر وترسانة من القوانين المقيدة للحريات (الاوامر الجمهورية ، قانون امن الدولة، قانون ممارسة الحقوق السياسية 1974 ، تعديلات الدستور 1975، قوانين سبتمبر 1983، بناء اضخم جهاز امن علي احدث الاسس في وسط وشرق افريقيا ..الخ).
اما نظام الانقاذ فقد سار علي المنوال نفسه، وبطريقة اعنف، حيث تمت مصادرة الحقوق والحريات الاساسية (مصادرة حرية الصحافة والتعبير ، اعتقالات وتعذيب وتشريد الالاف من المعارضين السياسيين، اضافة لترسانة القوانين المقيدة للحريات مثل: قانون الصحافة والمطبوعات وقانون الامن الوطني، قانون الاحزاب والتوالي، قانون النقابات ، قانون العقوبات ، قانون الاثبات ، قانون الجمعيات الاهلية..الخ، وحتي بعد توقيع اتفاقية نيفاشا كان من المفترض تغيير هذه القوانين بما يتمشي مع الدستور الانتقالي لعام 2005، ولكن ذلك لم يتم حتي الآن ، رغم مرور اكثر من ثلاث سنوات علي اتفاقية نيفاشا).
كما أشرنا سابقا، أن من سمات هذه الفئات الطفيلية قهر الحركة النقابية والديمقراطية والجماهيرية في الداخل والانحناء امام ضغوط وشروط الدول الرأسمالية ومؤسساتها السياسية والمالية والعسكرية والاقتصادية، لدرجة التبعية وفقدان السيادة الوطنية.

يتبع ..